ثلاثة عقود من الوفاء... ووعد لن ياتي ابدا !
هناك قصص في الحياة لا تكتب بدافع الشكوى، بل بدافع العبرة. قصص تختصر سنوات طويلة من العمل والاخلاص، لكنها تنتهي بدرس قاس لا ينسى.
لاكثر من ثلاثين عاما، كنت حاضرا في مشروع كرست له جهدي ووقتي ومعظم سنوات عمري. لم يكن عملي وظيفة محددة بمهام واضحة، بل كنت اؤدي ادوارا متعددة في آن واحد: محاسبا، وكيلا للاعمال، مديرا اداريا، ومستشارا قانونيا. كنت اتابع تفاصيل المشروع ليل نهار دون انقطاع، مدفوعا بالثقة والوفاء لمن اعتبرته في مقام والدي.
لم اسال يوما عن اجور عملي، ولم اجادل في حقي، لانني كنت اسمع دائما كلمات كانت كفيلة بان تسكت كل تساؤل:
"لن انساك... وسياتي يوم يكون استحقاقك كما تريد."
كانت المكافاة السنوية التي اتقاضاها اربعة ملايين دينار فقط، اي ما يعادل نحو 350 الف دينار شهريا. وهو مبلغ بسيط جدا اذا ما قورن بما يتقاضاه من يعمل في مثل هذه المسؤوليات في مشاريع مماثلة. ومع ذلك، لم يكن المال هو ما يشغلني، بل الثقة التي ظننت انها تبني مستقبلا من التقدير والانصاف.
مرت السنوات، وكبر المشروع، وكبرت معه امالي بان ياتي ذلك اليوم الذي طالما سمعته في الوعد.
لكن الحياة احيانا تفاجئ الانسان بطرق لم يتوقعها.
فجاة، تم التنازل عن المشروع الى ابناء صاحب العمل، حفظهم الله، لينتهي فصل طويل من حياتي المهنية دون ان يتحقق ذلك الوعد الذي انتظرته سنوات. لم يكن الامر خسارة وظيفة فحسب، بل كان شعورا بان سنوات طويلة من الاخلاص انتهت بصمت.
ومع ذلك، لا اكتب هذه الكلمات بدافع العتب او الاتهام، بل بدافع التامل. فالحياة تعلمنا دروسها بطريقتها الخاصة، وبعض هذه الدروس لا نفهمها الا بعد ان يمضي معظم العمر.
اليوم، وبعد ان تجاوزت الستين من عمري، ادركت حقيقة بسيطة لكنها عميقة:
الاخلاص في العمل قيمة عظيمة، لكن حفظ الحقوق منذ البداية قيمة لا تقل عنها اهمية.
لقد مضت سنوات العمر، ولم يعد الانسان في هذا العمر يركض خلف الكثير من الاشياء. ما يبقى فقط هو التجربة، وما تمنحه من حكمة.
وهذه ليست شكوى بقدر ما هي رسالة لكل شاب يبدا طريقه في الحياة:
اعمل باخلاص... لكن لا تنس حقك.
فبعض الوعود، مهما كانت جميلة، قد لا ياتي يومها ابدا.
عبدالقادر فاضل. بغداد













.jpg)




































">
">




