الحرية في عيون الأبناء: رسالة إلى الآباء
بقلم: ذوالفقار محمد /
نحن نعيش في أجواء مليئة بالتحديات التربوية المعاصرة، التي نتجت عن تداخل بعض الثقافات وامتزاجها. وكان العامل الأساسي في سرعة انتقال هذه المفاهيم هو سهولة الوصول إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، بالإضافة إلى الانفتاح على العالم من خلال السفر ونقل الثقافات. كما يلعب بعض مدعي حقوق الإنسان دورًا في نقل مفاهيم مغلوطة عن الحرية، مستخدمين منظماتهم وورشهم وندواتهم، التي تقدم مفهوم الحرية بصورة مشوهة، وكأنها محاولة لدس السم في العسل. وكانت النتيجة اضطرابًا وفوضى في سلوكيات بعض الأبناء.
ومن انطلاق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري ومسلم)، كان لزامًا علينا أن نعمل جاهدين على بيان مفهوم الحرية لدى الأبناء، وما الذي يرغبون فيه فعلاً، وما الواجب على الآباء مواجهته في هذه التحديات.
كثر الكلام عن حرية التصرفات والاختيارات لدى بعض الأبناء، ولسان حالهم يقول: «دعونا نفعل ما نريد». وما يرونه حسنًا وسليمًا في تصرفاتهم وأقوالهم غالبًا يعود لقلة فهمهم أو عدم معرفتهم الحقيقية لمفهوم الحرية، وهل هي مطلقة بلا ضوابط أو شروط.
إن مجتمعنا الإسلامي يواجه هجمة شرسة، كانت نتيجتها أن بعض أبنائنا فهموا الحرية على أنها تمرد وعدم خضوع لقرارات آبائهم، حتى وصل الأمر بالتمرد على الأحكام الشرعية. فبعضهم يسأل: «لماذا لا أصلي؟»، فيجيب قائلًا: «هذه مسألة شخصية، وأنا حر في تصرفي!» وهكذا تسللت الأفكار الإلحادية وغيرها من السموم الفكرية إلى عقول أبنائنا، بهدف خلق جيل خالٍ من القيم، مشكك في تراثه الديني ومتمرد على أعرافه الاجتماعية السليمة.
اليوم، نتعامل مع أجيال ناشئة طغت على تصرفات الكثير منهم الرغبة في اتباع ما يرونه مناسبًا للموضة والمدنية المعاصرة، بحسب ادعائهم بأن «العالم في تطور»، وكأن هذا التطور نقيض الشرع والالتزام بالتعاليم الإسلامية.
الرسالة الأولى إلى الأبناء:
إن الحرية التي تسعون إليها ما هي إلا عبودية في جوهرها، عبودية للأهواء وللشهوات، واتباع خطوات الشيطان. فالتمرد على الفطرة السليمة وعدم التقيد بالأحكام الشرعية في الأقوال والأفعال ونمط الحياة، هو عبودية لغير الله. فالأهواء ترسم للشباب صورة للحياة تخالف تعاليم الشرع الحنيف، كما قال تعالى: «أرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ» (سورة الملك، الآية 23).
وهذه الأهواء والأفكار انتشرت لأن الأفكار الإسلامية غُيبت عن عقول أبنائنا نتيجة الاحتلالات وفرض الثقافات الغربية على الشعوب الإسلامية. فبعض الأبناء يتمردون على قرارات الآباء بحجة الحرية الشخصية، ويرفضون الالتزام بعبودية الله تعالى، رغم تكريم الإنسان في قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (سورة الإسراء، الآية 70) و**«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»** (سورة التين، الآية 4).
كما يسارعون في اتباع أعداء الله وتقليدهم، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
«لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (رواه أبو سعيد الخدري).
وفي ختام رسالتي إلى الشباب: اجعلوا حريتكم عبودية لله وحده.
رسالتي إلى الآباء:
التربية من أشرف وأعظم المهام الموكلة إليكم، فالواجب الشرعي أن تؤدوا الأمانة، وأن تعرفوا حقها، خصوصًا ونحن نعيش في زمن اختلط فيه الخير بالشر. فمَن وجد في سلوك أبنائه الحدة والغضب، فلا يجابهها بالعنف، بل بالصبر والاستعانة بالله.
يجب أن يعلم الآباء يقينًا أن الهجمة على الأسرة ممنهجة، وهدفها تفكيك النسيج الأسري الإسلامي. والشباب اليوم يتعرضون لأفكار غير مقبولة، وقد يعتقدون أنها الأفضل. لذا يجب التعامل مع كل فكرة بهدوء، والاستماع إليها، ثم تفنيدها بالحجج الشرعية والمنطقية. لا يفضل أسلوب الرفض المباشر أو الرد القاسي، حتى لا تتحول هذه الأفكار إلى عناد أو نكاية بالأبناء.
خير مثال على التعامل مع المخالف نجده في سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حين جاءه شاب وقال له: «أيذن لي بالزنا؟»، فبدأ النبي بسؤاله عن ارتضاء أمّه وخالته وعمته، دون عنف أو تزجر، فكان أسلوبًا نبويًا رائعًا في التعامل مع الشبهات والأفكار المغلوطة.
فلنكن مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستماع للأفكار، ثم الرد عليها بالحجج القوية والبراهين، مع النية الصافية للدعوة إلى الله، ومساعدة الأبناء على العودة إلى الطريق الصحيح. ويجب الاستعانة بالعلماء وأهل الاختصاص عند مواجهة أسئلة تشكيكية أو شبهات أو فتنة، لنقف جميعًا بوجه الهجمة الفكرية، ولنعتمد كتاب الله وتحكيمه في حياتنا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم ألغى حتى العبودية في الألفاظ، فقال:
«لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي» (البخاري ومسلم)


















































">
">




